المذنبات: رحالة متميزون في النظام الشمسي

في مختبر دراسة المذنبات في جامعة تل أبيب يصنعون مذنباً صناعيًا لدراسة خصائصه وتأثيراته على نشأة الحياة على الكرة الأرضية
Add This: 
  • رسم لمذنب من صنع رومينا لوندا (11 عاماً) من مجموعة أعمال في قناة فليكر Hubble ESA | رسم Romina Ludena
 

المذنبات هي الأجرام السماوية الأكثر تميزاً في مجموعتنا الشمسية: المسار الذي تسلكه حول الشمس يختلف عن مسار بقية الكواكب، والذيل الذي تتركه خلفها عند اقترابها من الشمس يبدو كعباءة ممتدة لا تنتهي، وهي مسؤولة عن أمطار الشهب التي تتساقط من حين لآخر، حين تدخل جزيئات ذيل المذنب إلى الغلاف الجوي للكرة الأرضية وتشتعل في السماء كـ"نجوم متساقطة". وهذا ليس كل شيء. فهي العنصر الأهم في عملية فهم النظام الشمسي ككل وتطور الحياة هنا على الكرة الأرضية بشكل خاص. وهذا احد الأسباب الذي يدفع العلماء في جامعة تل أبيب لصناعة مذنبات صناعية صغيرة في المختبرات.

 

المذنبات هي أجسام صغيرة نسبياً (قطرها حتى 100 كيلومتر) تدور حول الشمس، أي أن هناك مذنبات تعود إلينا مرة كل عدة عقود، وهناك مذنبات تعود مرة كل بضع مئات أو آلاف من السنين. معظم المذنبات لا يمكن رؤيتها دون تلسكوب. بينما يمكن أحياناً ملاحظة مذنب يمر في سماء الليل من مكان مظلم. يعرف العلماء اليوم عن وجود آلاف المذنبات التي تدور حول الشمس، ولكن كما يبدو فعددها أكبر بكثير.

 
صورة المذنب Lovejoy من عام 2014 | حقوق الصورة: John Vermette
 

 

مصدر المذنبات

 

يوجد في جامعة تل أبيب مختبر خاص لدراسة المذنبات بشكل معمق. أقيم المختبر على يد البروفيسور عكيفا بار نون، وهو عالم إسرائيلي مهم، توفي قبل سنة تقريباً. بار نون كان باحثاً في المذنبات والكواكب وكان المدير الثالث لوكالة الفضاء الإسرائيلية بين السنوات 1989-1993. اليوم تدير مختبر المذنبات الدكتورة ديانا لاوبر.

"هناك ثلاث مناطق تأتي منها المذنبات في النظام الشمسي"، كما توضح عدي نينيو غرينيرغ، طالبة دكتوراه وباحثة في مختبر دراسة المذنبات. "هناك مذنبات في المنطقة المحاذية للمشتري، الكوكب الأكبر في النظام الشمسي. وفي مكان أبعد ما بعد مسار نبتون، يقع حزام كايبر الذي يحيط بالنظام الشمسي وفيه عشرات آلاف المذنبات، وفيه أيضاً بعض الكواكب القزمة مثل بلوتو. وفي مكان أبعد من ذلك، حول النظام الشمسي بأكمله، هناك غيمة من المذنبات تدعى غيمة أورط".

أحيانا تفصل قوة الجذب للأجرام السماوية مذنباً أو عدة مذنبات عن الحزام أو عن الغيمة، لتبدأ مسارها باتجاه الشمس. عندما ترتفع حرارة المذنبات قليلاً بسبب اقترابها من الشمس، يتسامى الجليد فيها، أي انه يتحول إلى غاز مباشرة. كما تتحرر أيضاً غازات أخرى محجوزة بين جزيئات الجليد. تشكل هذه الغازات المرفقة بالغبار ذيل المذنب الجميل.

 
 
رسم لمذنب من عام 1552 | رسام غير معروف
 
 
رسم لمذنب من عام 1552 | رسام غير معروف
 

 

القصف الكبير

ظاهرياً، لا يوجد شيء مثير في المذنبات. باستثناء شكلها المميز عندما تقترب من الشمس، فهي في النهاية مجرد أجسام من الجليد الملوث والحجارة والغبار والغازات تدور بين النجوم منذ ملايين السنين.

"المذنبات هي مثل الموقع الأثري للنظام الشمسي. إذا فهمنا العمليات التي أنشأت المذنبات قبل مليارات السنين، سنفهم بشكل أفضل الظروف التي سادت هنا بعد وقت قصير من نشأة النظام الشمسي"، كما تقول نينيو – غرينبرغ.

"تظهر الاكتشافات انه لفترة بضع ملايين من السنوات بعد نشأة الكرة الأرضية، تعرضت الأرض لقصف بالمذنبات والكويكبات القادمة من الفضاء – ولذلك تسمى هذه الفترة "القصف الكبير".

تبين أن قسماً من الماء في المحيطات على سطح الأرض جاء خلال هذه الفترة من المذنبات، إضافة إلى مواد أخرى بعضها عضوي. لذلك نعتقد بأن المذنبات التي اصطدمت بالكرة الأرضية ربما ساهمت في خلق الحياة على الأرض.

 
الكرة الأرضية كانت في الماضي مكاناً عنيفاً وعاصفاً ولكن هكذا توفرت الظروف لتطور الحياة على سطحها " رسم: NASA
 
 

 

المسبار روزيتا يقوم بالأبحاث

نفهم الآن سبب التركيز على دراسة المذنبات. ولهذا السبب التقت مجموعة صغيرة من العلماء من أنحاء العالم قبل ثلاثين عاماً ومنهم البروفيسور عكيفا بار نون، وخططت لمهمة طموحة – وهي إرسال مسبار (مركبة فضائية صغيرة غير مأهولة) إلى أحد المذنبات من أجل دراسته عن قرب.

بعد سنوات طويلة من العمل والتخطيط بدأ تنفيذ الخطة – وأطلق المسبار روزيتا نحو الفضاء من منصة إطلاق الأقمار الصناعية العملاقة أريان 5. ولمدة عشر سنوات حام المسبار روزيتا في الفضاء حتى وصل في النهاية إلى المذنب تشوريوموف- جيراسيمنكو وبدأ بدراسته في عام 2014.

حام روزيتا حول المذنب والتقط له صوراً ثم أنزل نحوه مسبار هبوط يدعى "فيله". وهو عبارة عن روبوت صغير وذكي – كان من المفترض أن ينزل على سطح المذنب ويتشبث فيه (لان جسماً بهذا الحجم لا يمتلك ما يكفي من قوة الجاذبية)، ثم الحفر فيه وفحص تركيبته وخصائصه الأخرى.

"يشبه هذا المذنب أوزة أو رجل ثلج بطول أربعة كيلومترات". هكذا تصفه نينيو غرينبرغ. "قد يكون مصنوعاً من مذنبين اندمجا معاً". ولكن "فيله" لم تنجح في التشبث بالمذنب. قفزت على سطحه وسقطت في النهاية داخل شق فيه، وتوقفت عن العمل بعد ما يزيد عن اليومين بقليل... تحدث هذه الأمور أحياناً في مهمات البحث المعقدة التي يتم إرسال الروبوتات لتنفيذها. ولكن خلال الفترة القصيرة التي عملت فيها المركبة تمكنت من إنجاز من مهمتها.

في المقابل اكتشف المسبار روزيتا أموراً مثيرة جداً. "اكتشف روزيتا وجود النيتروجين في الجليد على المذنب"، تقول نينيو غرينبرغ. "يشير هذا الاكتشاف إلى أن المذنبات تكونت في درجات حرارة منخفضة جداً، بلغت 240 درجة مئوية تحت الصفر.

اكتشف روزيتا في المذنب أيضاً مواد عضوية، وأكسجين، وغازات نبيلة وحمض أميني أحادي يدعى غليتسين. يمكن أن نستنتج من ذلك بأن مذنبات من نوع تشوريوموف- جيراسيمنكو ربما قد تكون قد أوصلت بعض المواد العضوية والماء إلى الكرة الأرضية.

انهى روزيتا مهمته حول المذنب بعد سنتين، وخلال هذه المدة أرسل إلى الكرة الأرضية كثيراً من الصور والمعلومات المهمة التي تساعد في إجراء التجارب ودراسة المذنبات، في أنحاء العالم وفي مختبر المذنبات في جامعة تل أبيب.

 
المركبة الفضائية "روزيتا" ومسبار الهبوط "فيله" يقتربان من المذنب | رسم: ESA
 

 

تصنيع مذنب في المختبر

كما فهمتم بالتأكيد من مهمة روزيتا، فدراسة المذنبات ليست أمراً سهلاً. لا يمكننا ببساطة إرسال مركبة فضائية وروبوتات إلى كل مذنب يدور في النظام الشمسي – فهناك الكثير منها، والميزانية المطلوبة للقيام بذلك ستكون فلكية.

الحل هو دراسة مكونات المذنبات بشكل جيد، ثم تقليد مكوناتها بشكل مدروس في المختبر. "في مختبرنا في جامعة تل أبيب نصنع جليداً يشبه الجليد في المذنبات – جليد يحجز بداخله غازات. المذنب الذي صنعناه محفوظ في ضغط منخفض جداً وفي درجات حرارة منخفضة جداً"، كما توضح نينيو غرينبرغ.

"نقوم بتسخين الجليد في المذنب الذي صنعناه، وعندما تسخن جزيئات الماء، فإنها تبدأ بالتجمع على شكل بلورات مختلفة، ويتحرر الغاز المحجوز بداخلها. وهكذا نصنع مذنباً صناعياً يمكننا أن نجري عليه التجارب وندرس خصائصه ضمن مساره البيضاوي حول الشمس".

إذا هل المذنبات - التي هي في الواقع نوع من الموقع الأثري بين النجوم يسمح لنا باكتشاف ما حصل في الأزمان الماضية التي نشأت فيها المجموعة الشمسية - مسؤولة حقاً إلى حد ما عن تكون الحياة على الكرة الأرضية؟ ربما تلقي أبحاث البروفيسور بار نون وطاقمه المزيد من الضوء على هذه التساؤلات المثيرة، وتساعدنا على فهم أفضل لمصدر الحياة على كوكبنا الصغير.

 

You might also like

{{new.img.alt}}
{{new.start}}
{{new.body}}